علقت مجلة "هورن ريفيو" على نفي مصر لتقارير أفادت بأنها اقترحت منح إثيوبيا منفذًا إلى البحر الأحمر مقابل تنازلات فيما يتعلق بالنزاع حول سد النهضة، قائلة: إنه يتماشى مع نهجها في الغموض الاستراتيجي، حيث تُطرح أفكارٌ لإظهار التعاون، لا سيما خلال المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة، ثم يتم سحبها.
وأضافت أنه بدلاً من أن يكون هذا العرض المزعوم بادرة سلام حقيقية، يبدو وكأنه محاولة للضغط، مما يُقوّض الثقة في العملية برمتها، فيما وصفت هذه التكتيكات بأنها تعكس نهج مصر "الانتهازي"، الذي يستخدم الإنكار لإعادة صياغة الروايات مع التشبث بالسيطرة على الموارد المشتركة كالنيل.
وحذرت من أن هذا لا يُعقّد المفاوضات فحسب، بل يكشف أيضًا كيف تُدير مصر الضغوط الدولية بالتوازي مع أجندتها الداخلية، وغالبًا ما تُعطي الأولوية للصورة على حساب التقدم الجوهري.
تناقض صارخ
ورأى التقرير أن "ما يجعل هذا المقترح المزعوم لافتًا للنظر بشكل خاص هو تناقضه الصارخ مع الخطاب التحريضي لمصر قبل أشهر قليلة. ففي نوفمبر 2025، أصدر وزير الخارجية بدر عبدالعاطي تصريحات قاطعة يرفض فيها مطامع إثيوبيا في البحر الأحمر"، مؤكدًا أن إدارة البحر الأحمر "تخص حصريًا الدول المطلة عليه".
واعتبر أن "هذه التصريحات، الممزوجة بتلميحات دينية ولغة إقصائية، تُصوّر إثيوبيا كطرف خارجي عدواني، مُؤججةً النزعة القومية الداخلية، لكنها تعزل مصر دوليًا، وهو ما يتناقض تمامًا مع ما تفعله إثيوبيا".
وسخر التقرير من العرض الذي قدمته مصر أخيرًا، قائلاً: "حتى في حال رفضه، يُظهر كرمًا زائفًا من خلال ربط حاجة إثيوبيا الماسة للوصول إلى البحر بتنازلات على النيل، متجاهلًا المصالح الأساسية لأديس أبابا"، ومؤكدًا على التحولات التكتيكية لمصر في ظل جهود الوساطة التي يقودها ترامب.
تناقض تصريحات السيسي
ورصد تناقضًا في تصريحات (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي نفسه بشأن سد النهضة، والتي تتأرجح بين التهديدات المبطنة والنفي المُهذّب. ففي 12 أكتوبر 2025، حذّر من أن مصر "لن تقف مكتوفة الأيدي" إزاء إدارة إثيوبيا "غير المسؤولة" للسد، متعهدًا باتخاذ "التدابير اللازمة" لمنع الضرر.
وقال التقرير، إن هذا الموقف العدائي استمر حتى ديسمبر ، حيث وصف عبدالعاطي في 7 ديسمبر 2025 سد النهضة بأنه "غير شرعي وغير قانوني"، معلنًا أن المفاوضات "وصلت إلى طريق مسدود" بعد 13 عامًا من عدم الجدوى، متهمًا إثيوبيا بانتهاك القانون الدولي.
مع ذلك، أشار إلى تراجع السيسي عن موقفه في 22 ديسمبر 2025، مؤكدًا أنه "رغم الخلافات مع إثيوبيا، لم تُصدر مصر أي تهديدات، إيمانًا منها بضرورة حل النزاعات عبر الحوار والحلول السياسية". وكرر هذا الموقف، مدعيًا أن مصر "لا تُعاني من أي مشكلة" مع إثيوبيا، وأنها تسعى فقط إلى اتفاق مُلزم.
واعتبر التقرير أن تصريحات السيسي تتناقض مع مواقف عبدالعاطي المتشددة، وتُحاكي أنماطًا تاريخية، مثل تهديد السيسي عام 2021 بالفوضى في حال فقدت مصر "قطرة ماء واحدة" من النيل، وهو موقف تم التقليل من شأنه الآن.
محاولة لتحسين السمعة
وفي هذا السياق، رأى أن الخطاب المصري يستخدم كأداة تفاوضية لا كجسر لحل النزاع، مما يُضعف الثقة في الاتفاقات المُحتملة، ويُختزل الإنكار إلى مجرد محاولة لتحسين السمعة.
وربط التقرير بين سعت المساعي الدبلوماسية المصرية المكثفة في أواخر عام 2025، ومحاولة تعزيز هيمنتها على إثيوبيا، من خلال سلسلة من الزيارات والاتفاقيات مع دول البحر الأحمر، إلا أن دراسة معمقة تكشف عن قصور هذه الاستراتيجية في ظل ديناميكيات إقليمية معقدة.
ففي أكتوبر 2025، استضاف السيسي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في زيارة استمرت خمسة أيام بدأت في 30 أكتوبر ، وتُوّجت باتفاقيات سرية بشأن الموانئ بحلول 24 ديسمبر 2025، عززت المرافق في مينائي عصب الإريتري ودوراله الجيبوتي لصالح السفن الحربية والقوات المصرية. وجاء ذلك استكمالاً للقمة الثلاثية التي عُقدت في القاهرة في أكتوبر 2024 بين إريتريا والصومال، حيث التزمت مصر بتقديم دعم عسكري للصومال.
وأشار إلى زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مصر في يناير 2025، التي قال إنها رفعت مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية، في حين سعت مصر إلى تعزيز العلاقات مع كينيا، الأمر الذي أدى إلى زيارة الرئيس ويليام روتو في يناير 2025 وإعلان مشترك لتعميق العلاقات. كما حظيت السودان وجيبوتي باهتمام مماثل، حيث استضافت مصر وزيري خارجيتهما في 10 فبراير 2025، لتعزيز الروابط، وذلك عقب زيارة السيسي لجيبوتي في أبريل 2025 التي أكدت على أهمية العلاقات الساحلية.
محاولات تطويق لإثيوبيا
ووضع التقرير هذه المبادرات، التي تصاعدت وتيرتها في أكتوبر ونوفمبر 2025 وامتدت حتى عام 2026، في إطار محاولات تطويق لإثيوبيا، حيث تُقدّم القاهرة أسلحةً لحلفاء مثل الصومال (بما في ذلك قوات لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال منذ يناير 2025) والسودان (طائرات مسيّرة وطائرات نفاثة للقوات المسلحة السودانية) لتهميش أديس أبابا.
مع ذلك، رأى أن هذا النهج يُبالغ في تقدير نفوذ مصر، إذ إنّ عقيدة "المياهين" الإثيوبية، التي تربط بين سيادة سد النهضة والوصول إلى البحر الأحمر باعتبارهما أساسيين لازدهار شعبها البالغ 130 مليون نسمة، تُقلّل من صعوبة العزلة، مُحوّلةً الاستراتيجية إلى استعراضٍ أكثر منها احتواءً فعّالًا.
وخلص التقرير إلى أنه "في الواقع، تتلاشى قوة النفوذ المصرية المفترضة عند التدقيق في دوافع الجهات الفاعلة الرئيسة، والتي غالبًا ما تختلف عن أهداف القاهرة الاحتوائية. إن الحكم الاستبدادي للرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي ترسخ على مدى عقود من العزلة وانعدام الثقة المتأصل تجاه إثيوبيا منذ انفصال إريتريا عام 1993، يجعل من غير المرجح تقديم تنازلات مثل صفقات ميناء عصب، مما يقلل من الحاجة إلى "المساعدة" المصرية.
ورأى أن اقتصاد جيبوتي، الذي يعتمد على الموانئ بنسبة تتراوح بين 70 و95% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتعامل مع 95% من التجارة الإثيوبية (بقيمة تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار أمريكي سنويًا)، لا يستطيع تحمل خسارة عميله الرئيس؛ إذ إن التداعيات الاقتصادية ستطغى على أي فوائد محتملة من مبادرات القاهرة.
أما أرض الصومال، المدعومة باعتراف إسرائيل بها في ديسمبر 2025 ومذكرة التفاهم الموقعة عام 2024 والتي تمنح إثيوبيا قاعدة بحرية بطول 20 كيلومترًا مقابل الاعتراف المحتمل بها، فلا تزال ثابتة على موقفها، كما يشير التقرير.
وقال إن اعتراضات الصومال لا تملك قوة إنفاذ، ومن غير المرجح أن يثني الضغط المصري منطقة تسعى إلى إقامة شراكات متنوعة .
دعم فصائل إثيوبية بالسلاح
وبعيدًا عن الخطابات، اتهم التقرير مصر بالنفاق الذي يتجلى في أفعالٍ تُناقض دعوتها للحوار، كدعمها لوكلاء يُزعزعون استقرار إثيوبيا. ففي منتديات الأمم المتحدة، تدعو القاهرة إلى ممارسة ضغط دولي على سد النهضة، بينما تُشير تقارير منظمة "الأمن في السياق" إلى شحنات أسلحة مصرية إلى فصائل إثيوبية مثل فانو في أمهرة، وجبهة تحرير شعب تيجراي، الأمر الذي يُفاقم الصراع الداخلي. هذا التدخل يُقوّض دعوات عبد العاطي للاستقرار في ديسمبر 2025.
ورأى فيما أسماها "تكتيكات مصر، التي تشمل التراجع عن مواقفها، والدبلوماسية المنسقة، وسحب المقترحات"، أنها "تبرر مواقفها المتصلبة بشأن سد النهضة، متظاهرةً بالتعاون دون تقديم أي تنازلات. تتطلب الحلول الحقيقية الاعتراف بالحقوق المتبادلة، لا الحصار الوهمي أو العروض المؤقتة".
وختم التقرير، قائلاً: "في غياب ذلك، يواجه القرن الأفريقي خطر عدم الاستقرار لفترة طويلة، حيث لا تُحقق استراتيجيات القاهرة الأمن المائي ولا العدالة، بل تُفاقم انعدام الثقة الذي لا يزيد الإنكار إلا من حدته".
https://hornreview.org/2026/02/25/egypts-alleged-red-sea-offer-to-ethiopia-a-tactical-maneuver-amid-contradictions-and-denials/

